عبد الملك الثعالبي النيسابوري
65
اللطائف والظرائف
باب مدح الكتب والدفاتر قال الجاحظ : الكتاب وعاء مليء علما ، وظرف حشي ظرفا ، وإناء شحن مزاحا وجدّا ؛ وإن شئت كان أعيا من بأقل ، وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل ، وإن شئت ضحكت من نوادره ، وإن شئت عجبت من غرائبه ، وإن شئت ألهتك مضاحكه ، وإن شئت أشجتك مواعظه . فالكتاب نعم الظهر والعمدة ، ونعم الكنز والعدة ، ونعم الذخر والعقدة ونعم النزهة والعشرة ، ونعم الشغل والحرفة ، ونعم الأنيس ساعة الوحدة ، ونعم المعرفة ببلاد الغربة ، ونعم القرين والدخيل ، ونعم الوزير النزيل . وهو الجليس الذي لا يطريك ، والصديق الذي لا يغريك ، والرفيق الذي لا يملك ، والمستبيح الذي لا يستزيدك ، والجار الذي لا يستطيلك ، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك . وهو الذي يعطيك بالليل طاعته بالنهار ، ويفيدك في السفر إفادته في الحضر ، لا يعتل بنوم ولا ضجر ، ولا يعتريه كلال سهر ، وهو المعلم الذي افتقرت إليه لم يحتقرك ، وإذا قطعت عنه المادة والمائدة لم يقطع عنك العادة والعائدة ، وإن هبت ريح أعدائك لم ينقلب عليك وإن قلّ مالك لم يترك زيارتك . ثم قال : متى رأيت بستانا يحمل في ردن ، وروضة تقل في حجر ، ينطق عن الأموات ، ويترجم كلام الأحياء ، ومن لك بواعظ مله ، وبزاجر مغر ، وبناسك فاسق ، وبساكت ناطق ، وبحار بارد ،